ابن هشام الأنصاري
79
أوضح المسالك إلى ألفية ابن مالك
. . . . .
--> - وأما رواية الرفع فهي التي أنشد المؤلف البيت هنا عليها ، وهي التي تمسك بها الكوفيون ، وهي التي أعربنا البيت عليها على ما رآه الكوفيون فيه . والتقدير عندهم أي شيء ثابت للجمال حال كونها وئيدا مشيها ، وعندهم أن الفاعل يجوز أن يجيء قبل العامل فيه كما يجيء بعده . والبصريون لا يجيزون أن يتقدم الفاعل على عامله ، لوجهين : أحدهما : أن الفاعل مع فعله ككلمة ذات جزأين صدرها هو الفعل وعجزها هو الفاعل ، وكما لا يجوز تقديم عجز الكلمة على صدرها لا يجوز تقديم ما هو بمنزلة العجز على ما هو بمنزلة الصدر . وثانيهما : أن تقديم الفاعل يوقع في اللبس بينه وبين المبتدأ ، وذلك أنك إذا قلت « زيد قام » وكان تقديم الفاعل جائزا - لم يدر السامع أأردت الابتداء بزيد والإخبار عنه بجملة قام وفاعله المستتر فيه أم أردت إسناد قام وحده إليه ، ولا شك أن بين الحالين فرقا ، فإن جملة الفعل وفاعله تدل على حدوث الشيء بعد أن لم يكن ، وجملة المبتدأ وخبره الفعلي تدل على ثبوت الشيء وتأكيد إسناده إلى من قام به أو وقع منه ، ولا يجوز إغفال هذا الفرق وادعاء أنه مما لا يتعلق به غرض المتكلم الذي يريد إفادة المخاطب أصل معنى الكلام الذي هو ثبوت المسند للمسند إليه أو نفيه عنه ، على أي وجه من الوجوه كان هذا الثبوت أو النفي ، فأما ما وراء ذلك من الملابسات فإنه من الأغراض التي لا تعني هذا المتكلم ، وإنما تعني متكلما يدقق في ألفاظ الكلام ، وهي التي يتوجه إليها نظر علماء البلاغة . وإذا كان الأمر على هذا الوجه فقد خرج البصريون رواية الرفع في البيت على غير ما وجهها الكوفيون به ، ولهم فيها توجيهان : أحدهما : أن يكون « مشيها » مبتدأ ، و « وئيدا » حال من فاعل فعل محذوف ، والتقدير : مشيها يظهر وئيدا ، وجملة الفعل المحذوف مع فاعله في محل رفع خبر المبتدأ . والوجه الثاني : أن يكون « مشيها » بدلا من الضمير المستكن في الجار والمجرور الواقع خبرا وهو « للجمال » فإنك قد علمت أن متعلق هذا الجار والمجرور كان يتحمل ضميرا مرفوعا بالفاعلية ، وأنه لما حذف المتعلق انتقل الضمير إلى الجار والمجرور . وفي كل واحد من هذين التوجيهين مقال أوضحناه في شرحنا على شرح الأشموني . ومن العلماء من ذكر أن هذا البيت شاذ لا يقاس عليه ومعناه أنه سلم الظاهر ، ولكنه لم يسلم أنه يصح الاستدلال به . -